في الأيام التي تلت، بدأ واضحًا أن العلاقة بين هُيام وعادل لا تقتصر على مجرد الجرح والضماد. كان هناك شيء آخر يتشكل في الهواء، شيء غير مرئي لكنه ثقيل، يربط بينهما بطريقة لا يمكن إنكارها. ولكن هُيام كانت ترفض الاعتراف بذلك. كيف يمكن لها أن تقع في حب عدو؟ في رجل قاتل أخاها، ودمّر مدينتها؟ كيف تفتح قلبها لهذا الجرح الذي لن يشفى؟
ذات مساء، عندما كانت تهمّ بتغيير الضمادات لعادل، كان الجو في الخارج هادئًا بشكل غير طبيعي. كانت أصوات القصف قد اختفت لبعض الوقت، مما جعل الهواء أكثر سكونًا، وكأن الحرب نفسها كانت تتنفس قبل أن تستأنف هجومها.
"هُيام..." نادى عادل بصوته الهادئ، وهو يرفع نظره عنها للمرة الأولى منذ أن بدأ يتعافى. كانت ملامحه هادئة، لكنها تحمل داخلها شيئًا غير مرئي، سؤالًا كانت هُيام تحاول تجنبه.
"ماذا؟" أجابت وهي تركز على يديها، حتى لا تلتقي عينيه مباشرة.
"لماذا تبتعدين عني؟" كانت كلماته مفاجئة، وصوته مليئًا بالحيرة. "هل تخشين من مشاعرك؟ أم من الحرب؟"
كانت هذه المرة الأولى التي يسأل فيها هذا السؤال. لم يكن مجرد سؤال عابر، بل كان لحظة فارقة في كل شيء. كانت هُيام تعلم أن كل شيء قد يتغير بعدها، لكن لم تكن مستعدة لملاقاة هذا التغيير.
لم تجب فورًا. كانت المشاعر تتزاحم في قلبها، لكنها لم تستطع تنظيم أفكارها. كيف تشرح له أن الحب في زمن الحرب يبدو كخطايا لا يمكن التوبة منها؟ كيف تخبره أن قلبها يعذبها بين الحنين والحقد؟
"أنتَ من عالم مختلف، عادل." قالت أخيرًا، والدموع تلامس جفونها. "وأنا لست مستعدة لتدمير ما تبقى مني."
لكن عادل كان يراقبها بعينين لا تعرف اليأس.
"لا أحد منا مستعد، هُيام." قال بصوتٍ هادئ، لكنه مليء بالحزن. "لكن هل يمكن أن نختار ماذا نشعر؟ هل يمكن أن نعيش في عالم لا وجود فيه للمشاعر؟"
كانت كلماته بمثابة صاعقة. بالنسبة له، كانت الحرب مجرد ساحة قتال، لكن قلبه كان معركة أخرى، حربٌ يرفض أن يخرج منها بغير مشاعر. هُيام أدركت حينها أن الصراع لم يكن فقط بين الشعوب، بل بين أرواحهم التي تقاوم كل ما هو آت.
"أنتَ لا تفهم، عادل." همست وهي تحاول أن تبتعد عن سؤاله. "أنتَ عدو… وأنا لا أستطيع أن أرى فيك إلا ذلك."
لكن عادل لم يرفع يديه مستسلمًا، بل اقترب قليلاً، نظراته ثابتة في عينيها.
"إذا كنتِ تريدين أن تري فيّ العدو، فهذا خيارك. لكنني سأظل هنا، حتى لو كانت الحرب نفسها."
كلماته كانت كالرصاص الذي يخترق القلب.